آخر الأخبار :

دراسة فلسطينية تؤكد استحالة نجاح أي عملية تنمية في ظل غياب الاستقرار السياسي

[justify]خلصت دراسة أعدها مركز كنعان للإعلام والدراسات في نابلس حول "الاستقرار السياسي وأثره على التنمية في فلسطين" الى وجود تقاطع والتقاء بين احتياجات ومتطلبات التنمية وبين عوامل الاستقرار السياسي حيث تظهر عوامل الاستقلالية وحرية تخطيط السياسات وعدم التدخل الخارجي في تحديدها ضمن احتياجات ومتطلبات التنمية وتؤثر على مستوى الاستقرار في النظام السياسي الذي يتطلب عدم وجود التبعية للدول الخارجية لأنها تؤثر على استقلاليته وسيادته الوطنية واستقراره .

وأوضح رئيس المركز غسان المصري لـ"شبكة اخباريات" أن عامل المشاركة السياسية الذي ينعكس على قوة وشرعية النظام السياسي يلعب دورا أيضا في دعم وإنجاح عملية التنمية لزيادة القدرة والكفاءة للنظام ، والمشاركة في جهود هيئات ومؤسسات المجتمع غير الرسمية تدعم السلطات الرسمية والنظام السياسي وتخفف من الأعباء الكبيرة التي تحتاجها عملية التنمية في حالة ضعف الموارد والإمكانيات المتاحة . إن الكفاءات والجهود الشعبية والمحلية تلعب دور في حالة الاستقرار السياسي وفي إنجاح عملية التنمية .

وأضاف بأنه ولخصوصية وضع النظام السياسي الفلسطيني ولعدم توفر عوامل الاستقرار السياسي بشكل كامل يظهر عدم الاستقرار بشكل يميزه عن الأنظمة السياسية الأخرى في الدول العربية وهذا ما يجعل تأثير الاستقرار في النظم السياسي الفلسطيني أوسع وأكثر على عملية التنمية في المجتمع الفلسطيني من المجتمعات الأخرى .

وقال بأن نتائج فشل العملية السياسية (اتفاق أوسلو) عاد وضع الاحتلال والسيطرة الخارجية على الأراضي الفلسطينية وهذا جعل السلطة السياسية لا تسيطر على إقليمها ولا تستطيع استغلال مواردها وعمل أيضا على الفصل بين المناطق الجغرافية وتقسيمها ومنع الانتقال بينها كل ذلك عكس نتائج سلبية وخطيرة على خطط وبرامج التنمية التي كانت السلطة تسعى لتحقيقها ونجاحها.

وبحسب الدراسة، قال المصري بأنه في نفس الوقت الذي أدى إلى عدم الاستقرار في النظام السياسي إلى إفشال عملية التنمية إضافة سياسة الاحتلال والتدخل الخارجي أعباء ومشاكل اجتماعية واسعة تهدد المجتمع الفلسطيني مثل انتشار حالة البطالة والفقر ، وتراجع مستوى الخدمات الصحية وكل ذلك كان انعكاس لسياسة الاحتلال والتدخل الخارجي وعدم توفر عامل الاستقرار السياسي.

وأوضح المصري بأن من أبرز الاستنتاجات التي توصل إليها البحث في مجال العلاقة بين حالة الاستقرار للنظام السياسي الفلسطيني وعملية التنمية وتأثير حالة الاستقرار على عملية التنمية في المجتمع الفلسطيني، وجود علاقة وتأثير متبادل بين حالة الاستقرار السياسي الفلسطيني وعملية التنمية في المناطق الفلسطينية وإن هذه العلاقة دائمة وعضوية حيت لا تستطيع أي عملية تنمية أن تحقق أهدافها في ظل غياب الاستقرار السياسي، كما أن عملية التنمية في المجتمع الفلسطيني تساعد على زيادة حالة الاستقرار السياسي للنظام لأنها ترفع من مستوى ثقة المواطن بالسلطة وتجعله يتجاوب مع سياساتها ويساهم بها.

ومن الاستنتاجات التي خلصت إليها الدراسة أن عامل القدرة والكفاءة له تأثير كبير على عامل الاستقرار السياسي كما يعتبر من المتطلبات الأساسية لنجاح عملية التنمية، وأن موضوع المشاركة السياسية من الجوانب الهامة والمؤثرة سواء في ثبات واستقرار النظام السياسي الفلسطيني وكذلك في دعم وإنجاح عملية التنمية من خلال المشاركة في رسم السياسات والتخطيط لوضع الاحتياجات الأساسية لفئات المجتمع ضمن برامج التنمية الاجتماعية .

وأشار المصري الى أن الدراسة استنتجت أن مشاركة هيئات وفعاليات المجتمع المحلي في عملية التنمية تساعد السلطة السياسية وتدعمها في نجاح عملية التنمية سواء من خلال التجاوب مع الخطط والبرامج أو المساهمة باحتياجات ومتطلبات عملية التنمية الاجتماعية وخصوصا في الحالات التي يعاني بها النظام السياسي من ضعف الموارد والإمكانيات، وأن التبعية بأشكالها المختلفة سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي وحتى الثقافي يؤثر على أي عملية تنمية اجتماعية وذلك من خلال تدخل واشتراطات الدولة أو الدول في نوعية سياسات وخطط التنمية الاجتماعية وتوجيه عملية التنمية في الاتجاه الذي تحدده الدول المتدخلة وهذا ما يحدث في حالة المساعدات والقروض الخارجية التي تحصل عليها بعض الدول .

كما كانت من بين الاستنتاجات أن عامل الاستقلال والسيادة له تأثير كبير على نجاح عملية التنمية لأن فقدان النظام السياسي الفلسطيني للسيادة على الأرض والسكان المقيمين فيها يمنع السلطة من تأدية دورها ووظيفتها ويضيق عملية التنمية.

وفيماي يلي نص الدراسة بالكامل:
الاستقرار السياسي وأثره على التنمية في فلسطين
(1994 - 2013)
إصدار: مركز كنعان للإعلام والدراسات - نابلس

مقدمة :العلاقة بين الاستقرار السياسي وعملية التنمية ينظر إليها الكثير من الكتاب والباحثين على أنها علاقة تأثير وترابط قوية وتمثل قوة الارتباط بينهما في مدى تأثير كل من العاملين على الآخر فالاستقرار السياسي (وفقا لتجارب عديدة ) يلعب دور كبير في نجاح أي عملية تنمية في المجتمع ونسبة الاستقرار السياسي تؤثر في تحديد مدى نجاح أي عملية تنمية في المجتمع ونسبة الاستقرار السياسي توثر في تحديد مدى نجاح أو فشل خطط التنمية كما أن نجاح عملية التنمية يساهم في زيادة حالة الاستقرار السياسي .

في هذا الإطار تتناول الدراسة طبيعة العلاقة بين كل من عامل الاستقرار السياسي في النظام السياسي الفلسطيني والتنمية من خلال دراسة مفهوم الاستقرار السياسي وما هي العوامل التي تلعب في حالة الاستقرار من حيث تأثيرها الإيجابي أو السلبي إضافة إلى المؤشرات التي تدل على وجود حالة الاستقرار من حيث الاستقرار السياسي ومستواه لأن قياس وتقييم وضع معين في دولة معينة على أن لديها استقرار سياسي أم لا تبقى عملية نسبية ومتغيرة وذلك تبعا لمؤشرات وعوامل تؤثر وتلعب دور في حالة الاستقرار السياسي .

كما يعمل البحث على دراسة مفهوم التنمية ودلالاته من حيث كونه عملية متكاملة تتطلب وضع الخطط على أساس دراسات واقعية ودقيقة وما تحتاجه عملية التنمية من مقومات واحتياجات وظروف تحيط بالمجتمع المستهدف بخطط التنمية ومدى ملائمتها - أي الخطط - لثقافة وقيم المجتمع المراد تنفيذ عملية التنمية فيه وصولا إلى تحديد دور و أهمية عامل الاستقرار السياسي في عملية التنمية .

من خلال ذلك يمكن تحديد موقع عامل الاستقرار السياسي في الأهمية بين العوامل الأخرى المؤثرة على التنمية وهذا يسهم في استنتاج أثر الاستقرار السياسي في الأهمية بين العوامل الأخرى المؤثرة على التنمية وهذا يسهم في استنتاج أثر الاستقرار السياسي على التنمية من خلال مجموعة استنتاجات يخلص إليها البحث .

يسعى البحث للتحقق من فرضية تقول :- ( إن عامل الاستقرار للنظام السياسي الفلسطيني يؤثر على عملية التنمية في مناطق السلطة الفلسطينية ) ، وأن علاقة التأثير بينهما تبادلية ، وبذلك يمكن الإجابة على أسئلة البحث وهي :-

هل الاستقرار السياسي يؤثر على نجاح عملية التنمية ؟
وما هو مدى تأثير الاستقرار السياسي على عملية التنمية ؟ وما هي أشكال هذا التأثير ؟ وملا هي طبيعة العلاقة بينهما ؟

يعتمد البحث على منهج الوصف والتحليل للوقائع والأحداث المتعلقة ببناء وتطوير النظام السياسي الفلسطيني خلال الفترة الزمنية من نشوء السلطة الفلسطينية ولغاية 2013 وكذلك سياسة التنمية التي عمل النظام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع عزة لإنجاحها ، بالإضافة إلى تحليل طبيعة العلاقة بين حالة ونسبة الاستقرار السياسي ومدى توفر مقومات ومقومات ومتطلبات التنمية ، المطلوبة لنجاح هذه السياسات .

ويتطرق البحث إلى موقع التنمية الاجتماعية في خطط التنمية الشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية ومدى تأثير عملية التنمية في برامج وخطط التنمية في المجالات الأخرى .

يأخذ البحث بعين الاعتبار أن خلال السنوات 1995 ولغاية عام 2013 مع اعتبار حدوث تغيرات بسبب عامل خارجي وهو إعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية في بداية شهر آذار عام 2002 حيث شكل ذلك عامل تأثير قوي على وضع الاستقرار السياسي (للسلطة الفلسطينية ) للنظام السياسي .

لذا لابد من تناول العوامل الذاتية الداخلية التي تؤثر أو أثرت على الاستقرار السياسي والعوامل الخارجية التي فرضت تغيرات كبيرة ومؤثرة إضافة ألى العوامل الداخلية .

الفصل الأول
ما زال مفهوم الاستقرار السياسي يحظى باهتمام الكتاب والباحثين السياسيين ، ويسعى كل من يتناول هذا المفهوم لتحديد وصف للحالة التي يطلق عليها بالاستقرار السياسي ، وأصبح هذا المسمى أو المصطلح من المواضيع التي تحتل مكانة متقدمة في حياة الدول والشوب لأن ارتباطه بالوضع و الحالة التي تعتبر من المقومات الأساسية لتوفير ظروف حياتية مناسبة للشوب وهي أساس الاستقرار في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية في أي مجتمع .

وجود الاستقرار السياسي في أي دولة اعتبره بعض الكتاب والسياسيين انه دليل ومؤشر على رضى معظم شرائح المجتمع لطريقة وأسلوب عمل النظام السياسي ومختلف مؤسساته وطبيعة الأنظمة المعمول بها ، إضافة إلى الخطط والبرامج التي يتم إقرارها وتنفيذها .

كما أن البعض ممن تحدثوا عن الاستقرار السياسي الذي أشاروا إلى تفاوت واختلاف في نسبة الاستقرار وأن قياس الحالة التي يوجد بها النظام السياسي في أي مجتمع يجب أن تعتمد على وصف دقيق وتشخيص لبنية وطبيعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تساهم في تحديد نسبة أو مستوى القبول السياسي الذي يعكس الرضى عن الأداء الذي تقوم به القيادة السياسية .

البعض الآخر أشار إلى ما يعرف بالمشكلة السياسية في الحياة السياسية ومدى توفر الحياة الديمقراطية في المجتمع بما يضمن توفر بعض العوامل التي تسهم في طبيعة وشكل الاستقرار السياسي مثل نوعية القيادة والخصائص الشخصية لصناع القرار وطبيعة استعدادهم النفسي ، ومستوى الوعي الوطني بقضايا المجتمع وفهمهم للبيئة و الظروف المحيطة بهم وقدرتهم على إيجاد حالة توازن بين فئات المجتمع في عملية توزيع الموارد المتاحة . ¹

__________________________
¹د. عبد القادر فهمي . النظام السياسي الدولي . ( عمان :- دار وائل للطباعة والنشر ،1997 _ط¹ ، ص 24

عوامل الاستقرار السياسي :
العوامل التي تؤثر على المستوى وطبيعة الاستقرار للنظام السياسي في أي دولة تقسم إلي نوعيين من العوامل الداخلية (ذاتية) وعوامل خارجية وكل منهما يلعب دور في التأثير على استقرار النظام السياسي لأي دولة ولتوضيح ذلك تتطرق الدراسة بإيجاز لكل منهما .

- العوامل الداخلية .
- 1- الكفاءة والقدرة :-

في كثير من الأحيان يستخدم مفهوم الاستقرار السياسي عند وصف أو تسمية نظام الدولة الأكثر كفاءة وأكثر قدرة ، مع أن الكفاءة والقدرة ليسا شيئا واحدا . فوصف القدرة يعني قدرة الدولة (المقصود نظامها ) على تنظيم ودعم الأعمال الجماعية بكفاءة مثل الحفاظ على القانون والنظام وبناء البنية الأساسية الضرورية لرعاية وتوفير احتياجات ومتطلبات الحياة الأساسية في مختلف المجالات الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها مع الحفاظ على التوازن في توزيع السياسات والبرامج لتطال جميع الفئات في المجتمع.

اما الكفاءة فهي نتيجة استخدام هذه القدرة لتلبية طلب المجتمع على تلك السلع والخدمات وربما تكون الدولة قادرة ولكنها لا تتسم بالكفاءة إذا كانت لا تستخدم قدرتها لصالح المجتمع ، وقدرة الدولة يشار إليها غالبا على أنها تتمثل بالموارد والإمكانات المتوفرة والتي تستخدمها أجهزة ومؤسسات الدولة بصورة ما ، وفق أنظمة وسياسات وتطوعها لخدمة احتياجات الأفراد فيها .

2- المشاركة السياسية :-
من ناحية أخرى فإن الاستقرار السياسي لا يعني المعنى اللفظي الدقيق لكلمة الاستقرار أي الثبات وعدم التطور والتغيير ، وهذا المعنى يعتبر سلبيا ، إن المقصود بالاستقرار السياسي لنظام الدولة هو استمرار وديمومة عمل وإنتاج مؤسسات ومكونات النظام وأدواته بالاعتماد على عملية تقيم لمخرجات النظام التي تعتبر ناتج ومحصلة للسياسات العامة ومجموع الأنظمة والبرامج والخطط والقرارات في جميع المجالات وهذه التي تسمى بالأهداف العامة والتي يطلق على عملية تحقيقها بالعملية السياسية . ¹

____________________
¹ الدولة في عالم متغير - تقرير عن التنمية في العالم ، 1997

وحتى تكون العملية السياسية ناجحة في تحقيق الأهداف ( المخرجات للنظام ) يجب توفر مشاركة التنظيمات والأحزاب والنقابات والمؤسسات التي يجب أن تشارك في رسم السياسات وهذا ما يطلق عليه بالمشاركة السياسية .

والمشاركة السياسية من العوامل الأساسية والهامة في تقليل حدوث القلاقل والصراعات الداخلية بين قوى المجتمع ومؤسساته ، كما أنها تساهم في زيادة نسبة القبول السياسي للنظام السياسي والذي يقصد به الإطار العام للمجتمع ويقيم كافة مجالات الحياة موارد المجتمع ومؤسساته .

وهناك عوامل أخرى داخلية مثل العادات والقيم والثقافة السياسية ولكن بوجود هذين العاملين الكفاءة والقدرة والمشاركة السياسية يجعل تأثير ودور تلك العوامل إيجابي ويساهم في حالة التفاعل والتأثير نحو مزيد من الاستقرار في المجتمع .

- العوامل الخارجية :-

1- التبعية :

يعتبر عامل التبعية للخارج من العوامل الهامة في تمتع أي نظام سياسي بالاستقرار حيث إضافة إلى التحديات والعوامل الداخلية إلي تهدد استقرار النظام السياسي فإن المقصود بالعامل الخارجي هو تدخل دولة خارجية أو أكثر في سياسات وشؤون النظام وفرض سياسات معينة عليه ، وهذا ما يعرف بالتبعية المتعددة الأشكال السياسية أو الاقتصادية وهنا يفقد النظام استقلاليته الأمر الذي يؤدي إلى المساس بنظام البيئة السياسية ¹.

ومن أشكال فقدان الاستقلالية ( أي التبعية ) وعدم توفر السيادة :-

- تراكم الديون الخارجية مما يشكل عبئ على النظام السياسي ويمنعه من استخدام موارده لتنمية القطاعات المختلفة في المجتمع ويبقى النظام في حالة تبعية تمنعه من القيام بالعملية السياسية وفقا لاحتياجات ومتطلبات مختلف قطاعاته وفئاته .
- تقيد وارتباط النظام السياسي بعقود واتفاقيات مع دولة أو عدة دول تقيده وتعيق استقلاليته في استخدام وتوظيف موارده وتحديد سياسته الداخلية والخارجية وبهذا الشكل غالبا ما ينطبق على الناحية الاقتصادية والتجارية والسياسية .
- هذه من الأشكال المنتشرة في معظم الدول النامية والتي يفقد نظامها السياسي لحالة الاستقلالية ويجعلها خاضعة لحالة التبعية التي تعيدها وتقف عائق أمام توجيهات مطلوبة للعمل بسياسات تنموية مستقلة .

______________________

¹ إبراهيم العيسوي قياس التبعية في الوطن العربي ، ( بيروت ، 1989 ن مركز دراسات الوحدة العربية ، ) ط1

2- الاستقلال والسيادة :-

معنى الاستقلال بشكل دائم يرتبط بمفهوم السيادة أيضا وكل منهما يكمل الآخر، لأن تعرض النظام السياسي في الدولة إلى المساس بسيادتها من قبل دولة أخرى يعني المساس باستقلالها ، وكذلك فإن فقدان النظام السياسي في الدولة لعنصر السيادة غالبا ما يشير إلى فقدان الاستقلال .

وهنا يتضح دور العامل الخارجي في الاستقرار للنظام السياسي عندما تكون البيئة السياسية التي يعمل بها النظام لا تعيق أ تعكر أجواء العملية السياسية لصالح مختلف فئات وشرائح المجتمع في الدولة ، كما أن هوية إستخدام وتوظيف الموارد المتاحة في المجتمع (الدولة) يدخل في سياق تحديد تأثير عنصر الاستقلالية والسيادة على أداء وظيفة النظام السياسي بحرية دون أي ضغوط أو مؤثرات خارجية .

وهذا ما يثير التساؤل حول طبيعة النظام السياسي في مختلف الدول النامية التي تخضع لحالة التبعية ومدى تأثير حالة التبعية على عنصر الاستقلال والسيادة لأن مفهوم الاستقلال والسيادة يعني حرية النظام السياسي في أداء وظيفته في توجيه وإدارة العملية السياسية بحرية تامة ودون أي ضغوط أو شروط أو تقيدات .

ويأخذ العامل الخارجي أشكال مختلفة للمساس باستقلالية وسيادة الدول مثل الاعتداء على إقليمها أو جزء منه أو احتلاله ، أو فرض الحصار والمقاطعة على الدولة بهدف إخضاعها لقرارات وشروط ترفضها ، إضافة إلى استخدام وسائل تهديد وضغط معينة مثل موضوع :

- القروض وفوائدها ضمن شروط معينة وهذا ما يطلق من تسمية على تلك الدول بالدول الريعية ( أي الدول التي تحصل على قسم كبير من إيراداتها من مصادر خارجية على شكل رَيع) ¹

هذه العوامل الداخلية والخارجية التي تلعب دور وتؤثر في طبيعة وحالة الاستقرار السياسي للنظام السياسي في أي دولة أو مجتمع ، وعليه يمكن من خلال ما سبق تحديد معنى ومفهوم الاستقرار السياسي ومعرفة مدى تمتع أي نظام سياسي في أي دولة بالاستقرار .

____________________________

¹حسنين توفيق إبراهيم : "الدولة القطرية في الوطن العربي " (مجلة الفكر العربي،1998، ع 91،ص 17)


الفصل الثاني
الاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني
البحث في الاستقرار للنظام السياسي الفلسطيني يتطلب تناول معرفة خلفية نشوء وتكوين هذا النظام ، والظروف التي وجد فيها ، إضافة إلى معرفة العوامل التي تؤثر في الاستقرار سواء كانت عوامل داخلية أو عوامل خارجية .
بداية حول خلفية وظروف نشوء النظام السياسي (تكوين الدولة) وطبيعته بشكل عام فإن التطرق إلى رؤية الكثير من المفكرين والكتاب العرب مثل غسان سلامة ، وساطع الحصري ، وعبد العزيز الدوري وغيرهم في تأثير خلفية نشوء وتكوين الدولة على استقرار نظامها أو خضوعه إلى حالة التبعية وعدم الاستقلالية ومساس سيادته وذلك بهدف مقارنته مع حالة النظام السياسي الفلسطيني والتحقق من تأثير ذلك على استقرار النظام الفلسطيني .

إن عمليات خلق الكيانات القطرية وترسيم حدودها التي قام بها الاستعمار لم تستند أو لم تكن متسقة في الغالب مع معطيات الجغرافيا والتاريخ والثقافة والاجتماع ، فإن تلك الكيانات ظهرت إلى حيز الوجود كدولة قطرية وهي تحمل معها العديد من المشكلات الداخلية والإقليمية وهناك عدة دول عربية نشأت كنتيجة للخطط والسياسات الاستعمارية ولم ترتبط نشأتها بأسباب ومعطيات تاريخية محلية مثل - سوريا ، العرق ، ولبنان ، وفلسطين والأردن .¹

والمشكلات الداخلية والإقليمية التي حملتها الدولة الإقليمية عند نشوؤها تعكس تأثيرها على حالة الاستقرار مع الإشارة هنا إلى شمول فلسطين ضمن هذه الدول لا يعني أنها وجدت ونشأت بنفس الظروف حيث لم يوجد النظام السياسي المستقل لدولة فلسطين بسبب عوامل خارجية عديدة ، وتأجل نشوء وتكوين النظام الفلسطيني لغاية عام 1994 مع توقيع اتفاقيات المبادئ ( أوسلو ) .

_______________________

¹ سعد الدين إبراهيم وآخرون : مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي ، ط2 منتدى الفكر العربي ، عمان 1988، الفصل الثاني ص 175

يتضح مما سبق أن العوامل والظروف التي تسهم في نشوء أي نظام سياسي تؤثر على طبيعته ومستقبله وخصوصا استقراره واستقلاليته ولمعرفة حالة الاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني بين أعوام 1994 - 2013 تتناول الدراسة هنا كيفية نشوء وتكوين النظام السياسي في فلسطين .

نشوء وتكوين النظام السياسي الفلسطيني .

إن المتغيرات الدولية التي حصلت في شكل النظام العالمي الجديد جاء في سياقها الظرف التاريخي الذي تم فيه إيجاد عملية سياسية سميت بأوسلو ( اتفاق إعلان المبادئ ) وما تبعها من اتفاقيات فرعية كان نتيجتها إيجاد نظام سياسي فلسطيني له صفات معينة فرضتها ظروف نشوءه ومن أبرز هذه الصفات :

- الانتقالية : وهي الطبيعة التي تميز بها النظام والتي عرفت بالمرحلة الانتقالية وحددت مدتها الزمنية بخمسة سنوات يتم بعدها حسم المواضيع والجوانب التي تتعلق بالشكل النهائي للنظام ومستقبله مثل .. مواضيع الحدود والسيادة ، والمستوطنات واللاجئين والقدس ، حيث يبقى النظام السياسي ناقص لبعض العناصر الأساسية لاستمراره .¹

وفيما يتعلق بمكونات النظام فإن صفة الانتقالية فرضت متغيرات داخلية بسبب عملية التحول الجذري والسريع من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة ، وهذا ساهم في ظهور عدة تحديات واجهها النظام في عملية نشوءه وتكوينه وبقيت آثارها تثقل كاهل النظام وتضع أمامه معوقات تحول دون نجاحه في عملية التنمية الاجتماعية وهذا ما سيعمل البحث على التحقق منه في الفصل القادم .

أبرز ما تميزت به عملية نشوء النظام السياسي الفلسطيني هي عملية الدمج بين نموذجين من الأنظمة وهم :- نموذج الهيكلية والبنية المؤسساتية التي كانت قائمة في زمن الاحتلال وتدار من قبل إدارة الحكم العسكري والإدارة المدنية لسلطات الاحتلال .

هذه العملية أوجدت حالة غير متجانسة بسبب المفاهيم والنظم والإدارة التي تغيرت بشكل مفاجئ وسريع إضافة إلى الإختلاف والتفاوت بالتجربة والخبرات لدى العنصر البشري الفلسطيني الأمر الذي أوجد حالة من الخلل في بنية مؤسسات المجتمع المدني وأصبحت مكونات النظام السياسي من أنظمة وقوانين وسياسات وأحزاب ومؤسسات غير قادرة على
_____________________

¹ د. أياد البرغوثي، الفساد في فلسطين ، فلسطين ( مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، أيلول 2001 ) ص 21


تحديد ما هو مطلوب منها لغايات الاستراتيجيات والأهداف التي يسعى أي نظام سياسي لتحقيقها وهذا جزء من التحديات التي واجهها النظام في بداية نشوئه .¹

القصد فيها سبق أن عملية نشوء وتكوين النظام السياسي لم تمر بمراحل وخطوات مدروسة ومخطط لها وفقا لأهداف واستراتيجيات محددة بشكل مسبق وإنما تم دمج مكونات النظام السياسي بقرارات وإجراءات سريعة بهدف تحقيق شكل وإطار لكيان سياسي وفرض صورة الدولة والهوية ومؤسساتها وكل ذلك كان لتحقيق هدف سياسي فقط بمعزل عن جوهر ومضمون مكونات النظام السياسي وكفاءته وفعاليته ، مما جعل هذا النظام ضعيف وغير قادر على تأدية وظيفته في مجتمع الكيان السياسي .

تشخيص طبيعة النظام السياسي الفلسطيني بعد توضيح ظروف نشوءه يساعد عملية البحث في تحديد حالة الاستقرار التي تم تناولها سابقا ، إضافة إلى عامل الثقة بين سلطة النظام ومؤسساته لأن ذلك يؤثر على الشرعية والتي بدورها تؤثر على عامل الاستقرار .


عوامل عدم الاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني :-

الظروف التي نشا بها النظام السياسي والتحديات التي رافقت تكوينه وبناءه كما تم عرضه وتحليله كل ذلك يقودنا إلى عدة عوامل داخلية تؤثر على حالة الاستقرار إضافة إلى العامل الخارجي الذي يرتبط بحالة الإحتلال والإعتداء على السيادة في المناطق التي كان الاحتلال قد أعاد انتشاره فيها .

كما أن العوامل الداخلية انعكست على ظهور عامل خارجي غير الاحتلال وهو الدول المانحة وخصوصا تغيير موقفها من السلطة السياسية للنظام وعدم الوفاء بتعهدات كانت قد أعلنتها مع بداية تكوين السلطة السياسية كنوع من الدعم لعملية السلام ، وأبرز العوامل الداخلية :-

- ضعف الكفاءة والقدرة :

خلال السنوات 1995 ولغاية 2013 برزت انتقادات واسعة لطريقة داء السلطة السياسية وكيفية توجيه ما توفر من إمكانات لتوفير احتياجات ومتطلبات الحياة الأساسية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني وكان من ضمن هذه الانتقادات تقرير هيئة الرقابة العامة إضافة إلى تقرير رئيس فريق مجلس العلاقات الخارجية
____________________

¹ ميثاق ريكاردو سيجمان ( تقرير حول : تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية - 1999 )

ميشيل روكارد * وبعض الخبراء المختصين الفلسطينيين وأبرزت هذه التقارير غياب عنصر الكفاءة وهذا ما أدى إلى إضعاف قدرة النظام السياسي على أداء وظيفته وتدني مستوى النتائج المتوقعة وهذا ما تأكد من نتائج استطلاعات الرأي التي أجريت في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي أشارت إلى عدم الرضى عن مستوى الخدمات العامة وعبرت عن الاعتقاد بوجود هذه الموارد والفساد في المؤسسات العامة وفقدان الثقة بمؤسسات الحكم .¹

كما ان فقدان السلطة السياسية للنظام السياسي الفلسطيني لعامل الكفاءة والقدرة ظهر بشكل واضح من خلال فقدان ثقة مؤسسات المجتمع المحلي ومختلف شرائح الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية في السلطة السياسية ، وطريقة أدائها ، حيث أسهم ذلك في غياب العامل الثاني من عوامل الاستقرار وهو المشاركة السياسية .

- ضعف المشاركة السياسية :

المشاركة السياسية من العوامل الهامة التي تلعب دور كبير في استقرار النظام السياسي ، لأن إنفراد فئة سياسة معينة في إدارة شؤون النظام السياسي وعدم مشاركة الأحزاب السياسية الأخرى يضعف الديمقراطية ويؤدي إلى الإنفراد والسيطرة على القرار والموارد ، كما يحرم النظام السياسي من الخبرات والكفاءات التي تسهم في نجاح العملية السياسية لتحقيق متطلبات واحتياجات مختلف فئات وقطاعات المجتمع المحلي .

السلطة الفلسطينية منذ نشوئها لم تشهد المستوى المطلوب والمقبول من المشاركة السياسية حيث بقيت بعض الأحزاب والحركات السياسية المعارضة خارج المشاركة في السلطة مما عرض السلطة إلى أزمات عديدة انعكست آثارها على حالة الاستقرار السياسي وخصوصا عند تعطيل العملية الديمقراطية في مختلف أطر وهيئات ومؤسسات المجتمع المحلي خوفا من سيطرة المعارضة عليها عند تنظيم الانتخابات الأمر الذي أدى أحيانا إلى المساس بشرعية السلطة وأضعف موقفها السياسي في عملية التفاوض كل ذلك ادى إلى التراجع وعدم تحقيق أي إنجاز على صعيد عملية السلام بل أدى إلى فشلها .

في هذا السياق أشار تقرير تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية إلى أنه لا بد للسلطة بل ومن مصلحتها ، إظهار قدرتها على رؤية ومعرفة خصائصها وتولي عملية الإصلاح
____________________

*
مجلس العلاقات الخارجية ، منظمة غير ربحية وغير حزبية ، ويضم خبراء في مجال السياسات العامة للدولة ، تأسس سنة 1921 ويقدم توصياته حسب دراسته لسياسات الإدارة العامة بالتعاون مع خبراء ومختصين في الدولة .

¹ د. باسم الزبيدي ، الفساد في فلسطين ( مركز البحوث والدراسات الفلسطينية ، نابلس أيلول 2001) ص61

وتوجيهها لان البنى والممارسات الحالية إذ لم يتم إصلاحها ، ستشكل بل ستقرر مسبقا البنى والمؤسسات المستقبلية بطريقة سلبية . ¹

وحسب مفهوم المشاركة السياسية المشار إليه فإن ما حدث مع السلطة الفلسطينية لا يقتصر على عدم مشاركة المعارضة السياسية ، وإنما تم إهمال دور النقابات والمنظمات الأهلية والخبرات والكفاءات واستبعادها من المشاركة في رسم و تنفيذ سياسات السلطة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والسياسية وهذا أفقد النظام السياسي الفلسطيني حالة الاندماج السياسي والاجتماعي والتي تعتبر من العناصر الضرورية لتوفير الاستقرار السياسي .

في هذا المجال تشابه وضع النظام السياسي الفلسطيني مع الأنظمة السياسية للدول القطرية العربية كما أشار برهان غليون لذلك بقوله : ( إن تعثر الدول القطرية في أن تكون " وعاء لساسة وطنية " أو تعكس المصالح الوطنية العامة بسبب الإستراتيجيات الفئوية الخاصة التي تعوق نضوج الدولة كوعاء للمواطنة وتأكيد أهمية الدولة القانونية والديمقراطية كوعاء لتنمية مفهوم المواطنة مقابل مفهوم الزبونية و المحسوبية وتجاوز الو لاءات الفئوية والعشائرية تحد الولاء للدولة والقانون ) ².

مما تقدم يتضح تأثير المشاركة السياسية وحجمها في النظم السياسي الفلسطيني على حالة الإستقرار السياسي لأن الوضع الطبيعي هو أن تعكس الدولة في هيئتها الحاكمة وسياساتها وممارساتها أهداف ومصالح وطموحات مختلف القوى والتكوينات الاجتماعية الرئيسية في مجتمعها . ويعتبر ذلك أحد المقومات الرئيسية لشرعيتها واستقرارها ، وهذا لم يتم العمل به ( بغض النظر عن الأسباب ) إلا أن ذلك ساهم في ضعف حالة الإستقرار السياسي الفلسطيني وكان من العوامل الداخلية المسببة له .

أما أهم العوامل الخارجية التي تؤثر على استقرار النظام السياسي الفلسطيني رغم خصوصية وضع السلطة الفلسطينية الممثلة له تتمثل في :-
_____________________

¹ ميشيل روكارد وهنري سيجمان ، مصدر سابق ، ص 8

² برهان غليون ((في الدولة الحديثة )) الحياة اللندية ( 28/8/1991)

1 - عامل التبعية في النظام السياسي

ويقصد بعامل التبعية هو ارتباط وخضوع النظام لنمط من العلاقات غير المتكافئة والمفروضة على النظام السياسي بسبب عدة عوامل تعكس واقع له مظاهر و أبعاد مختلفة منها السياسية والاقتصادية والعسكرية و الأمنية وقد تكون التبعية نتيجة ضغوط وعوامل خارجية إضافة إلى وجود قوى سياسية وإقتصادية تابعة للنظام السياسي ترتبط مصالحا باستمرار بعلاقات التبعية .

ويعاني النظام السياسي الفلسطيني من حالة التبعية وتعدد مظاهرها وأبعادها في المجالات الإقتصادية والسياسية والأمنية ، ولأن السلطة الفلسطينية تعاني من عجز كبير في مواردها وقدراتها وإمكانياتها لأنها من الكيانات ذات الاقتصاديات الناشئة فإن ذلك يفرض عليها حالة الاعتماد على المساعدات والمنح الخارجية لأن الظروف السياسية والمادية سواء بسبب ثقل المهام والمسؤوليات التي كانت ملقاه على كاهل القيادة السياسية ( م . ت . ف .) في الماضي أو في الوقت الحالي ، كل ذلك يجعل النظام السياسي الفلسطيني يعتمد على المساعدات الخارجية وهذا أحد أشكال التبعية .

ومما يزيد من حالة التبعية لدى السلطة ما تم التطرق إليه في العوامل الداخلية وهي الكفاءة والقدرة والفاعلية لأن قدرة وكفاءة النظام السياسي الفلسطيني ضعيفة وفقا لما خرجت به نتائج دراسة لجنة الخبراء التي تم الإشارة له سابقا وهذا يعني ضعف ناتج ومردود أداء النظام السياسي ، والذي ينعكس على بقاء النظام معتمد على المساعدات الخارجية وهو أحد أشكال التبعية .

ومن الآثار السلبية أيضا خضوع عملية التخطيط والتنمية التي قادتها السلطة الوطنية ومؤسساتها ، وفي كثير من الأحيان إلى أجندة خارجية وإلى الحاجة الدائمة للانسجام مع أولويات وتصورات الجهات المانحة والتي طغت عليها اعتبارات وهواجس سياسية مرتبطة باتفاقيات أوسلو أكثر من تلك الاعتبارات المرتبطة بالبيئة الفلسطينية الداخلية واحتياجاتها .¹

إلى جانب ذلك فإن موضوع المواطنة ، وإلتزام المواطن بما يتوجب عليه تجاه مجتمعة تأثرت بشكل سلبي وذلك بسبب إعتماد السلطة ماليا على المصادر الخارجية بدلا من إعتمادها على المواطنين مما يجعل التزام السلطة تجاه المواطنين ضعيف ، بينما تخضع السلطة للإستجابة لمطالب وشروط خارجية وهذا يعزز حالة التبعية للخارج .

________________________

¹ د. باسم الزبيدي "الفساد في فلسطين " ، مصدر سابق ، ص 56 .

إن حالة التبعية للخارج في مجال الدعم المادي والإقتصادي من شأنه أن يفرض على السلطة تبعية بأشكال أخرى وهي التبعية السياسية والأمنية وهذا ما تعرضت له السلطة الفلسطينية التي لا تستطيع الإستقلال بقرارها السياسي واتخاذ المواقف السياسية والأمنية بمعزل عن تدخل وموافقة الدول الخارجية ذات صلة بالدعم المادي والإقتصادي .

بالنتيجة فإن حالة التبعية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية تنعكس على حالة الإستقرار السياسي للنظام الفلسطيني سواء من ناحية التدخل الخارجي وشروطه ، و من ناحية القوى السياسية والإجتماعية وعلاقاتها بالسلطة السياسية وبفقدان الثقة بها مما يؤدي إلى المساس بشرعية وقوة سلطة النظام السياسي الفلسطيني وإضعافه وصولا إلى حالة عدم الإستقرار السياسي .


إن الثقة في مؤسسات السلطة الفلسطينية تؤثر على المنافسة الشرعية مع الجهات التي ترفض اتفاقيات أوسلو وتدعي أنها تقوم بعمل أفضل بما تقوم به السلطة الفلسطينية في توفير خدمات معينة لشعب الفلسطيني.

إن هذه الثقة تؤثر على قدرة السلطة الفلسطينية على التفاوض مع إسرائيل ، كما تؤثر على ثقة إسرائيل في قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ الإتفاقيات وهذا يرتبط بالعامل الخارجي الثاني الذي يؤثر على استقرار النظام السياسي الفلسطيني وهو عامل الاستقلال والسيادة .

3- الاستقلال والسيادة في النظام السياسي الفلسطيني .

تكونت السلطة الفلسطينية وتم الإعتراف بهويتها وسلطتها بعد توقيع إتفاق أوسلو في أيلول (سبتمبر ) 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطيني ، وتقوم السلطة الفلسطينية بإدارة شؤون مليونيين وتسعمائة ألف مواطن فلسطيني ورغم ذلك فهي ( أي السلطة ) ليست دولة حتى الآن .

رغم ذلك فإن السلطة الفلسطينية لا تملك السيادة الكاملة على التي يقوم فيها المواطنين الفلسطينيين ولا تتمتع بالسيطرة على المعابر الحدودية لهذه المناطق ، ولا تستطيع تطبيق أنظمتها وقوانينها على جميع المناطق التي يعيش فيها هذا العدد من المواطنين الفلسطينيين .

وخضعت حالة السيادة والإستقلال للنظام السياسي الفلسطيني إلى تطورات سياسية بشكل سلبي وعكس ما كان متوقعا عند توقيع إتفاق أوسلو الذي اعتبر قيام وتكوين السلطة الفلسطينية مرحلة انتقالية ، حيث يتم بشكل تدريجي تطوير حالة السيادة والإستقلال باستلامها المزيد من المناطق التي تنسحب منها قوات الاحتلال الإسرائيلية وتتسلم المسؤولية عنها وتمارس سيادتها عليها .

ولكن بعد عام 2000 وعلى أثر فشل العملية السياسية التي كان من المتوقع أن تنجز الإستقلال وتوسع السيادة للسلطة الفلسطينية على معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبسبب انتفاضة الأقصى أقدمت السلطات الإسرائيلية على إعادة إحتلال الأراضي الفلسطينية التي كانت قدت انسحبت منها وهذا يؤكد أن عملية استكمال تحرير وبناء الدولة و إقامة نظام سياسي فلسطيني مستقر لم تتم مما جعل حالة النظام السياسي غير مستقرة وأثر أيضا على ضعف حالة الإستقرار لمؤسسات النظام .

ويعاني النظام السياسي الفلسطيني من عدم الاستقرار السياسي حيث أن غياب عامل السيادة والإستقلال قد أثر على حالة الإستقرار وتشير جميع المؤشرات إلى الأوضاع السيئة الصعبة التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني بجميع مكوناته المؤسساتية وتفاعلات أنظمته وقوانينه مع احتياجات ومتطلبات مختلف الفئات السياسية والاجتماعية .

بالنتيجة فإن النظام السياسي الفلسطيني لا يمتلك عوامل ومقومات الاستقرار السياسي سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي وفقا لما سبق بحثه واستخلاصه .

الفصل الثالث
بعد دراسة مفهوم الإستقرار السياسي والعوامل التي تؤثر في طبيعته وحدوده ، إضافة إلى العناصر الأساسية التي يقوم عليها الإستقرار السياسي في المجتمعات ، ولبحث العلاقة بينه وبين مفهوم التنمية من حيث مفهومها وتعريفاته ومجالات التنمية والاحتياجات الأساسية لها لمعرفة العلاقة بينهما وبين الإستقرار السياسي .

بداية لابد من الإشارة إلى وجود فرق بين كل من مصطلح التنمية ومصطلح آخر يتم استخدامه بشكل مغلوط عند الإشارة إلى التنمية وهو مصطلح النمو . فالتنمية هي العملية التي يتم من خلالها تحقيق زيادة سريعة تراكمية ودائمة خلال فترة زمنية معينة .

أما مصطلح النمو فهو عملية تغير وتحول تدريجي وبطيء بقدر ضئيل وهو أقرب إلى التغيير الكمي بينما في عملية التنمية يكون التغير كبير ويطال الجوانب الوظيفية وهو أقرب إلى التغيير الكيفي . ¹
كما أن عملية النمو هي عملية تلقائية تحدث دون تخطيط أو جهود توظف لحدوثها . أما التنمية فهي التي تتم لتحقيق أهداف محددة مسبقا وتحتاج إلى جهود وتخطيط يقوم بها الإنسان .

هذا التوضيح للفرق بين النمو والتنمية بهدف الاسترشاد به عند تناول موضوع تأثير الإستقرار في النظام السياسي الفلسطيني على التنمية وعدم الخلط مع عملية النمو في المجتمع الفلسطيني والتي تتم بشكل تلقائي .

________________________

¹ محمد زكي شافعي ، التنمية الإقتصادية ، الكتاب الأول ، 1967 دار النهضة العربية ، ص 78


- مفهوم التنمية :-

قبل تناول مفهوم التنمية لا بد من التنويه إلى وجود إختلاف وعدم إجماع على مفهوم التنمية المفهوم الشامل لتنمية يعني شمول عملية التنمية لنواحي الإقتصادية والسياسية والتعليمية والصحية وجميع نواحي الحياة ومن الصعب الفصل بينهما لأن نتائج عملية التنمية في أي من المجالات تنعكس بشكل تلقائي على المجالات الأخرى وتتأثر بنتائجها وآثارها .

ولاستيضاح مفهوم التنمية يمكن تحديده هنا بأنه يعني عملية إحداث تغيير على المستوى ونوع الخدمات في المجالات السياسية و الإقتصادية والإجتماعية والصحية لكي يحدث التغيير حيث ينعكس هذا التغيير على مستوى وطبيعة معيشة الأفراد في المجتمع كما يحدث تغيير في البنية الإجتماعية والمستوى الثقافي ويؤثر على تطور العلاقات بين مختلف فئات المجتمع .

هذا التحديد لمفهوم التنمية في الإطار العام وعدم تناول مكوناته وعناصره وعدم حصره في مجال معين كما نجد إتجاهات وآراء متعددة منها من يتناول تسمية أو إصلاح النمو أو التطور وهناك أيضا تيارات تتحدث عن عنصر الموارد البشرية وأهمية تنميتها وتشير إلى أن تنمية العنصر البشري يجب أن يدخل في نطاق أهداف التنمية .¹

من هذا السياق نلاحظ وجود تعدد في الآراء والتوجهات في الحديث عن إطار ومفهوم التنمية حيث نجد أن خصوصية كل مجتمع تفرض رأي وتوجه فيما يتعلق بمكونات عملية التنمية وأهدافها وعناصرها وهذا يعتبر أمر طبيعي من قبل علماء الإجتماع الذين يوعزون الاختلاف بين مجتمع وآخر إلى خصوصية كل مجتمع من حيث العوامل والأسباب التي تؤثر في نجاح عملية التنمية .

- مجالات التنمية الإجتماعية :

مما سبق فإن الإطار العام لمفهوم التنمية يشمل جميع مجالات التعليم والصحة والإقتصاد والسياسة وثقافة العنصر البشري وهذه المجالات ضمن الإطار العام تشكل إجماع لدى التوجيهات والآراء التي تحدثت عن التنمية
______________________

¹ د. عبد لقادر فهمي ، النظام السياسي الدولي ، مصدر سابق ، ص 131 .


لكن هناك رؤى متعددة لكل مجال من المجالات الأخرى يعتبرها البعض أساسية في مجال التنمية الإجتماعية مثل الضمان الإجتماعي والرعاية الإجتماعية والرفاهية الإجتماعية إضافة إلى العمل والدخل وأثر وإرتباط ذلك في دعم ونجاح عملية التنمية الشاملة .

كما أكدت بعض الآراء على أن عملية التنمية الإجتماعية تعمل على تغيير إجتماعي ينعكس على البناء الإجتماعي ووظائفه ويهدف إلى تلبية الحاجات الإجتماعية للأفراد ، ولأن التنمية الإجتماعية تنعكس على التركيب السكاني للمجتمع أو في أنظمته الإجتماعية وكذلك في طبيعة وشكل العلاقات الإجتماعية والقيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد مما يحدد موقعهم ودورهم في الهيئات والتنظيمات الإجتماعية التي ينتمون إليها .

من خلال تلك الآثار التي تحدثها عملية التنمية على المجتمع فان العلاقة تتضح بين جميع المجالات التي تدخل في بنية النظام الاجتماعي ونظمه وتؤثر على مختلف المشاكل ذات الأبعاد الإجتماعية مثل الفوارق بين الطبقات والبطالة ، والانحراف وكل ما له علاقة بالمشكلات الاجتماعية التي تسهم عملية التنمية الاجتماعية في معالجتها ولو جزئيا .

إذن نخلص إلى نتيجة أنه لا يوجد حدود معينة لمجالات التنمية في مجال معين أو أكثر وإنما تشمل كل ما له علاقة في المجالات الحياتية للمجتمع ، وترتبط بالعنصر البشري واحتياجاته المعيشية المناسبة وهنا تبرز أهمية التنمية وارتباطها الوثيق بجميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية من حيث التأثير المتبادل بينهما .


- احتياجات ومتطلبات التنمية :

مما سبق يتضح أن مجال التنمية واسع جدا ويشمل كل ما يتعلق باحتياجات العنصر البشري وحياته اليومية ، إضافة إلى إنعكاس وتأثير نتائج التنمية في جميع المجالات بشكل متبادل على بعضها البعض .


-الاستخدام الأمثل للمواد العامة :

تتفاوت الموارد العامة بين الدول والمجتمعات وهذا يلعب دور في بعض الأحيان في ضعف عملية التنمية ولكن على الرغم من ضعف قدرة بعض الدول إلا أنها توظف مواردها ولا تستخدمها وفق التخطيط السليم الذي يلبي احتياجات الفئات الاجتماعية في حدود هذه الإمكانيات .

هنا يظهر تأثير عامل يعرف بالقدرة والكفاءة ، أي قدرة الدول من حيث إمكانياتها ومواردها إلى جانب قدرتها على الاستخدام الأمثل لحجم الموارد المتاحة والمراد توظيفها في عملية التنمية الشاملة .

أما موضوع الكفاءة فهو يعتبر هم في عملية التخطيط والتنفيذ والمراقبة لأي عملية تنمية ، لان العنصر البشري يعتبر من أهم العناصر في عملية التنمية وخصوصا الاجتماعية لذا فإن الاستخدام الأمثل للموارد العامة يعتبر من ضرورات ومتطلبات التنمية الإجتماعية .

المشاركة الأهلية في وضع السياسات التنموية وتنفيذها :

يعتبر عامل المشاركة من الحاجات الأساسية التي تقوم عليها عملية التنمية ، حيث تؤثر عملية المشاركة من قبل مؤسسات القطاع الخاص وهيئات وفئات المجتمع المحلية على توفر عنصر الخبرة والكفاءة من جهة ، إضافة إلى تجارب قطاعات المجتمع وجمهوره مع سياسة الدولة وتقبل قراراتها والعمل بأنظمتها والتقيد بقوانينها .

إضافة لذلك يسهل على الجهات الرسمية معرفة حقائق ومعلومات ضرورية لتخطيط لعملية التنمية بما يوفر جانب التكافؤ والمساواة في توزيع الناتج سواء على صعيد المناطق الجغرافية أو على صعيد فئات المجتمع المختلفة وهذا ما يطلق عليه من قبل السياسيين بالمشاركة السياسية وهو أحد الجوانب التي تلعب دور في حالة الاستقرار للنظام السياسي للدولة .¹

كما تسهم عملية المشاركة في تجسيد وتوسيع حالة الديمقراطية والحريات العامة الأمر الذي يوفر الإبداع ويحافظ على الكفاءات ويوظفها لخدمة المجتمع المحلي في عملية التنمية .

-حرية واستقلالية سياسات التخطيط :-

أكد بعض خبراء التنمية في العالم العربي على أن عدم حرية واستقلالية الدولة في تخطيط سياساتها التنموية ووضع مواصفات وشروط لأي خطط تنموية وخاصة في المجال الاجتماعي يؤثر على عدم ملائمة سياسات التخطيط للتنمية الاجتماعية مع احتياجات فئات المجتمع المراد إحداث التنمية فيها ، كم أن هذا الجانب يكرس عامل التبعية ويعتبر مساس في السيادة ويؤثر على شرعية النظام السياسي واستقراره .
إن بعض الدول تعتمد على المساعدات الخارجية بحجة ضعف مواردها وإمكانياتها وهذا ما يجعل عملية التدخل ووضع الشروط على الخطط والسياسات التي تعمل بها أنظمة هذه الدول لتوجيه اتفاقات المساعدات الخارجية وفقا لرغبتها مع أن هناك جوانب ومجالات لا يمكن لدول الخارجية معرفتها وأخذها بعين الاعتبار وخصوصا في مجال البيئة الإجتماعية والقيم والعادات والتقاليد والثقافة لتلك الدول ، لذلك فإن الحاجة إلى حرية واستقلالية سياسات التخطيط للتنمية هو عامل ضروري لنجاح عملية التنمية .

____________________
¹ د. مدحت العقاد : مشاكل التحويل إلى القطاع الخاص في الدول النامية (المجلة العلمية ، العدد الثاني ، 1991 ، ص 290 )

الخلاصة :

مما تقدم يتضح وجود تقاطع والتقاء بين احتياجات ومتطلبات التنمية وبين عوامل الاستقرار السياسي حيث تظهر عوامل الاستقلالية وحرية تخطيط السياسات وعدم التدخل الخارجي في تحديدها ضمن احتياجات ومتطلبات التنمية وتؤثر على مستوى الاستقرار في النظام السياسي الذي يتطلب عدم وجود التبعية للدول الخارجية لأنها تؤثر على استقلاليته وسيادته الوطنية واستقراره .

كما أن عامل المشاركة السياسية الذي ينعكس على قوة وشرعية النظام السياسي يلعب دورا أيضا في دعم وإنجاح عملية التنمية لزيادة القدرة والكفاءة للنظام ، والمشاركة في جهود هيئات ومؤسسات المجتمع غير الرسمية تدعم السلطات الرسمية والنظام السياسي وتخفف من الأعباء الكبيرة التي تحتاجها عملية التنمية في حالة ضعف الموارد والإمكانيات المتاحة . إن الكفاءات والجهود الشعبية والمحلية تلعب دور في حالة الإستقرار السياسي وفي إنجاح عملية التنمية .

ولخصوصية وضع النظام السياسي الفلسطيني ولعدم توفر عوامل الإستقرار السياسي بشكل كامل يظهر عدم الإستقرار بشكل يميزه عن الأنظمة السياسية الأخرى في الدول العربية وهذا ما يجعل تأثير الإستقرار في النظم السياسي الفلسطيني أوسع وأكثر على عملية التنمية في المجتمع الفلسطيني من المجتمعات الأخرى .

إضافة لذلك فإن نتائج فشل العملية السياسية ( إتفاق أوسلو ) عاد وضع الإحتلال والسيطرة الخارجية على الأراضي الفلسطينية وهذا جعل السلطة السياسية لا تسيطر على إقليمها ولا تستطيع استغلال مواردها وعمل أيضا على الفصل بين المناطق الجغر