آخر الأخبار :

وثائق الجزيرة رؤية قانونية وسياسية

وثائق الجزيرة رؤية قانونية وسياسية

دراسة من إعداد : الدكتور// السيد مصطفى أحمد أبو الخير
رئيس المجلس الإستشاري للجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان (راصد)
أستاذ القانون الدولي العام

آثارت الوثائق السرية التي كشفت عنها الجزيرة والبالغ عددها (1600) وثيقة والتي تتعلق بسرية المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وقادة الكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة، هذه الأيام ردود فعل واسعة النطاق علي كافة الأصعدة الوطنية والإقليمية والعالمية، ما بين متنكر لصحة هذه الوثائق وما بين متعجب لها ومصدوم منها وما بين مصدق لها، وما بين من يري أنها ذات أهداف سياسية لتجذر الإنقسام الفلسطيني، وهي تستهدف رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن شخصيا، متهمة في الكشف محمد دحلان للضغط على السلطة لعدم التضحية به من أجل إنقاذ السلطة من تدني شعبيتها وفشل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين السلطة والكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة.

مع كل ما سبق لا ينكر أحد أهمية توقيت كشف هذه الوثائق، فضلا عن أهميتها حيث تناولت كافة جوانب القضية الفلسطينية، وبرهنت هذه الوثائق وأكدت أن التواطئ على فلسطين من قبل السلطة وهذا ما كررناه في كافة كتاباتنا سواء في الكتب أو الدراسات التي قمت بإعدادها، كما بينت أن السلطة الفلسطينية مهمتها التي كلفت بها من قبل الاحتلال تصفية المقاومة الفلسطينية، وأنها لذلك نسقت أمنيا مع قوات الاحتلال الصهيونية، بل وشاركتها في أغتيال قادة وأفراد فصائل المقاومة الفلسطينية، وهذا الكلام تردد كثيرا في كافة وسائل الإعلام ولكن الكثير لم يكن يصدقه، لذلك يعتبر كشف هذه الوثائق بمثابة نزع ورقة التوت التي كانت تتخفي ورائها السلطة الفلسطينية.

وتساءل البعض عن مدى أرتباط توقيت نشر هذه الوثائق مع ما يحدث في المنطقة العربية، وخاصة في تونس والجزائر والأردن وأخير مصر، وأحداث لبنان التي جاء توقيتها متزامن مع ما يحدث علي الساحة من توترات، مما جعل البعض يشكك في صحة هذه الوثائق، وقد أشار العديد من السياسيين إلي هذه الوثائق التي أظهرت ما يجري في الخفاء وراء الكواليس، والتي بينت حقيقة السلطة وكشفت مزاعمها وأبانت أن السلطة ضد ثوابت الشعب الفلسطيني سواء من حقه في المقاومة وحق تقرير مصيرة وسيادته علي أرض فلسطين التاريخية من النهر إلي البحر، وقد وضعت السلطة مع الاحتلال في ذات المستنقع، الذي يعمل فيه علي سرقة فلسطين الدولة والرمز.

أوضحت الوثائق مدي التوافق والتضامن بين السلطة والاحتلال الصهيوني، وأنهما ضد الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية والأرض الفلسطينية، وأنهما معا في الاستيلاء علي فلسطين التاريخية، وأبانت الوثائق أن السلطة ليست هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ولا تستحق أن تكون حتى من ضمن أفراد الشعب الفلسطيني وليس ممثلة له، لأنها تأمرت عليه وعلى حقوقه وثوابته، بداية من التسيق الأمني ضد فصائل المقاومة الفلسطينية كافة بل وضد منهج المقاومة للاحتلال الصهيوني.

وقد أظهرت الوثائق أن السلطة تآمرت علي الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، منها حق العودة التي ذكرت الوثائق أن السلطة تنازلت عنه صراحة وأنها مع الاحتلال في عدم العودة للاجئين الفلسطين وأنها مع مقابل مادي للتنازل عن حق العودة نظير مليارات من الدورلات توضع في بنوك الصهاينة المحتلين، علما بأن حق عودة اللاجئين الفلسطينين إلي ديارهم التي تركوها بسبب الاحتلال من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني التي لا يجوز التنازل عنها بأي شكل من الأشكال، وقد نصت علي ذلك العديد من قرارات الأمم المتحدة، ولكن السلطة تحت زعم باطل لم يذكر في التاريخ أن سلطة أدعت أنها الممثل الشرعي والوحيد لشعب من الشعوب.

كما رأينا في الوثائق أن السلطة تتفق مع قوات الاحتلال الصهيوني في النظرة إلي القدس وبقية الأراضي الفلسطينية التاريخية من النهر إلي البحر، وأنها تنازلت عن حق الشعب الفلسطيني في قيام دولته علي أرضه التاريخية من النهر إلي البحر، وأن السلطة مع دويلة لا قائمة لها على الأرض ولكنها في الهواء بلا جيش ولا حدود ولا موارد ولا سيادة، دولة لا توجد إلا في أذهان السلطة والصهاينة، مخالفة بذلك القواعد العامة الآمرة في القانون الدولي العام، وخاصة مبدأ حق تقرير المصير ومبدأ تحريم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة وغيرهما من المبادئ العامة في القانون الدولي فضلاعن مخالفتها لميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية وميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي خاصة في المادتين الأولي والثانية من مواثيق هذه المنظمات، هذا البطلان لا يصححه رضاء السلطة لآنها قواعد عامة آمرة لا يجوز الاتفاق علي مخالفتها ولا يرتب القانون الدولي أي أثر علي مخالفتها.

هذه الوثائق هي أدلة دامغة علي خيانة السلطة للشعب الفلسطيني خيانة عظمي يجب محاكمة كل القائمين عليها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمي والتآمر، وسحب الثقة من السلطة كلها ومن حركة التحرير الفلسطينية التي أصبحت خطرا علي الشعب الفلسطيني وحقوقه، وكل أركان جريمة الخيانة العظمي متوافرة في حق السلطة كهيئة وليس كمجموعة من الأفراد يمكن التضحية بهم مع بقاء السلطة كهيئة لعرض القضية الفلسطينية وفلسطين للبيع، لذلك يمكننا القول أن السلطة عبارة عن مجموعة سماسرة يعرضون بضاعة غيرهم للبيع، هم سماسرة وليسوا تجار للقضية لأن التجار لديه ما يبعه أما السمسار فلا يملك إلا عرض بضاعة غيره مقابل القليل من المال.

علما بأن الأسس القانونية لمحاكمة السلطة بتهمة الخيانة العظمي متوافرة سواء في القانون الدولي ومواثيق المنظمات الدولية العالمية والإقليمية أو في دستور السلطة، فجريمة الخيانة العظمى التي نتج عنها استشهاد الكثير والكثير من أبناء الشعب الفلسطيني وهم الذين تصرخ دماؤهم للأخذ يالثأر من هؤلاء القتلة السماسرة الذين تآمروا وباعو وخانوا وقتلوا أبناء الشعب الفلسطيني، كما أنهم أشتركوا بالتحريض والاتفاق والمساعدة في شن حرب علي أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة الصابرة الصامدة، مع العدو الصهيوني والولايات المجرمة الأمريكية، ومع بعض الحكام العرب الذين علي شاكلة السلطة.

فالوثائق المنشورة هي عبارة عن مستندات قانونية يمكن من خلالها وبالترتيب عليها محاكمة هؤلاء القتلة السماسرة بتهم عديدة أهمها وأولها تمهة الخيانة العظمي، وقتل آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين قاوموا الاحتلال الصهيوني ودفعوا حياتهم في سبيل الدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى، وكم من شهيد سقط بتنسيق أمني بين السلطة وبين قوات الاحتلال الصهيوني، مقابل دورلات معدودة ليتها تنفع الشعب الفلسطيني بل توضع في بنوك يهود وخاصة في الولايات المجرمة الأمريكية.

كما أظهرت الوثائق أن ما حدث من خيانة عظمي ليست خيانة فرد أو مجموعة، أو مجرد اجتهاد خاطئ، ولكن تبين أنها سياسة متبعة ومنهج متفق عليه مما يجعل الركن المعنوي لجريمة الخيانة العظمي متوافر في حق السلطة كسلطة، وليس في حق مجموعة من الأفراد أنحرفت عن منهج وأسلوب السلطة وأهدافها، بل أتضح أنها سياسة عامة للسلطة كجهاز، مما يجعل السلطة أصبحت غير شرعية ولا تمثل الشعب الفلسطيني بل هي من ضمن أعداء الشعب الفلسطيني مثلها في ذات وعلي ذات الدرجة قوات الاحتلال الصهيونية والولايات المجرمة الأمريكية وبعض الحكام العرب العملاء الذين تآمروا علي فلسطين وعلي الشعب الفلسطيني، في محاولة لأنهاء الوجود الفلسطيني علي أرض فلسطين التاريخية.

لذلك فأن هذه الوثائق من الناحية القانونية هي مستندات قانونية يمكن استنادا لها وعليها محاكمة السلطة كجهاز ويجب بداية سحب الثقة منها، علنا عبر الطرق القانونية ويجب تصفيتها بعض القبض علي من فيها ومحاكمتهم بتهم الخيانة العظمى داخليا، وخارجيا محاكمتهم عن الجرائم الدولية التي أرتكبوها مع قوات الاحتلال الصهيوني والواردة في المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهي جريمة العدوان وجريمة الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني.

أن البداية الحقيقة بل وأول خطوة علي الطريق الصحيح للوصول لتحرير فلسطين التاريخية من النهر إلي البحر من أعداء الشعب الفسطيني وأولهم السلطة كجهاز ومجموعة سماسرة وحفنة من المجرمين المرتزقة، ومن قوات الاحتلال الإسرائيلية ومعهم بعض الحكام العرب الذين خارت قواهم فخانوا وباعوا الأرض والعرض والبشر في فلسطين المحتلة وفي دولهم، لو تم تطهير الصفوف من هؤلاء الذين يعتبرون ليسوا طابورا خامسا فقط بل في مقدمة جنود الاحتلال في القتل والتدمير، تآمروا وخانوا الأمانة مقابل دورلات معدودة توضع في بنوك يهود وليس في جيوبهم.

ومن المهم أن نذكر هنا أن توقيت كشف هذه الوثائق لا ينفك عن الهدف من كشفها ونشرها، فهي مرتبطة بالأوضاع التي تحدث في المنطقة العربية، وبالتوتر في كل من تونس ولبنان وجمود الوضع في فلسطين بعد تجمد المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين السلطة والاحتلال، ومن أهدافها الضغط علي الحكام العرب بزيادة حدة التوتر حتي يركعوا أكثر ويسجدوا أطول للأوامر الأمريكية وتنفيذ المخطط الأمريكي للمنطقة التي يري ضرورة عمل فوضي خلاقه في المنطقة ولمحاولة امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد علي الحكام واختلاس وسرقة الثورات التي تنجح في إزاحة طواغيت عفنة مثل بن علي أو الحريري في لبنان، ومحاولة زيادة الاحتقان مع التحكم فيه حتي لا تفلت الأمور وتعود للشعوب.

ونحن لا نبرأ الجزيرة من أثم هذه الوثائق، فإذا كانت المعلومات التي تتضمنها الوثائق معروفة لديها منذ زمن فلماذا تكتمت عليها طيلة هذه المدة ولماذا لم تصفح عنها في الماضي وما هو سبب التكتم عليها، ولماذا نشرها في هذا التوقيت بالذات خاصة وان الجزيرة تدعي من يوم إقامتها الحيدة والنزاهة وأنها تعمل خارج إطار الأنظمة والسلطات، أنها بذلك تكون قد ضللت الشعوب وساعدت قوى الاحتلال والسلطات الغاصبة للسلطة.

يجب علي الشارع الفلسطيني أن يتحرك تجاه سحب الثقة من السلطة ومن كل من أشترك في المؤامرة عليه وعلي فلسطين أرضا وشعبا، واختيار قيادة أخري عبر تشكيل جديد يضم كافة التيارات السياسية الفلسطينية ووضع خطة تقوم علي اعتماد منهج المقاومة منهجا وحيدا وسبيلا واحد لتحرير فلسطين من النهر إلي البحر.

أنتهت الدراسة ...