آخر الأخبار :

رغم الإجماع على نبذه.. القتل على خلفية الشرف يتواصل في سوريا

رغم الإجماع على نبذه.. القتل على خلفية الشرف يتواصل في سوريا

بقلم: محي الدين عيسو من دمشق

لا أستطيع العودة إلى منزل أهلي على الرغم من اشتياقي إلى صدر أمي، خوفًا من أن أقتل أو أرجم من قبل العائلة التي تلاحقني حتى في منامي وأحلامي"، بهذه العبارة بدأت فتاة من سوريا تدعى عبير ذات العشرين ربيعًا حديثها لـصحيفة "إيلاف" الإلكترونية عن قصتها مع أهلها.

مشيرة إلى أنها خرجت من المنزل منذ أكثر من ثلاث سنوات، لأن أهلها حاولوا إجبارها على الزواج من شخص هي ترفضه، وعلى الرّغم من مرور كل تلك الفترة إلا أن حالتها النفسية في تدهور مستمر، والخوف ملازم لها أينما حلت، وهي تعيش حاليًّا مع مجموعة من الفتيات وتعمل في إحدى المعامل الخاصة من أجل تأمين لقمة عيشها.

حالة الفتاة "عبير" ليست الأولى أو الأخيرة في مجتمع ما زال يستبيح قتل الفتاة وما زال هناك أشخاص يرتكبون جرائم القتل "لغسل العار" فكثيرة هي الحالات التي رصدت فيها جرائم الشرف في وسائل الإعلام السورية المختلفة، وفي أغلب هذه الحالات يتم القتل على أساس الشبهة أو الشك أو أحاديث يتداولها الناس أو علاقة عاطفية بريئة بين فتاة وشاب يرفضها الأهل، أو زواج فتاة من طائفة معينة بشخص من طائفة أخرى، وهذه الحالات ما زالت منتشرة في أغلبية مناطق سوريا وبخاصة تلك المناطق الريفية أو التي تعتمد على نظام القبيلة أو العشيرة أو الطائفة في تسيير أمورها، لكن بالمقابل عائلات أخرى وهي أيضًا كثير ة ومنتشرة في أرجاء سوريا وليست محصورة في منطقة معينة ترفض كافة أشكال التمييز ضد المرأة وتعطيها كامل حقوقها كإنسانة حرة تملك قلباً وعقلاً تستطيع فيها التمييز بين الخطأ والصواب وتتحمل مسؤولية نفسها مثلها مثل الرجل.

المرأة والقانون السوري

حرص الدستور السوري الذي صدر عام 1973 بأن تكون للمرأة - نوعاً ما - مكانتها في المجتمع مثلها مثل الرجل، ومع هذا بقيت تعاني من القيود المفروضة عليها سواء من القوانين أو من المجتمع الذي بقي ذكورياً بطابعه التسلطي لتمنع المرأة من ممارسة حقها كإنسانة لها كيانها الخاص وشخصيتها المستقلة، فالمجتمع السوري مجتمع متحرر نوعا ما من ناحية المساواة بين المرأة والرجل، والدستور السوري حرص على المساواة بين الجنسين، لولا بعض القيود المفروضة من خلال عدد من القوانين وخصوصًا في قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات وقانون الجنسية

حيث يؤكد عضو مجلس الشعب السوري الدكتور محمد حبش لإيلاف أن "مطالبتنا المستمرة في البرلمان وفي مؤسسات المجتمع الحكومي والأهلي بالمطالبة بتعديل قانون جرائم الشرف وإلغاء العذر المحل الذي تنص عليه المادة 548 من قانون العقوبات قد آتت أكلها أخيرًا وقد صدر المرسوم التشريعي 37 للعام 2009 الذي نص على إلغاء العذر المحل الذي كان يسمح للجناة بالإفلات من العقاب إذا هم ارتكبوا جناية القتل بدافع الشرف وأصبح هؤلاء تحت سطوة القانون الجديد الذي يفرض عقوبة السجن سنتين على الأقل في أي نوع من جرائم الشرف مهما كانت الأسباب أو الظروف والمبررات وهو تقدم قانوني جديد ومهم "

ومع أن الجميع يؤكد أن تعبير جريمة (الشرف)، يحمل في طياته تناقضًا صارخًا، فهو يضيف الشرف الذي هو قيمة إنسانية نبيلة إلى الجريمة التي تمثل قمة الانحطاط الخلقي والقانوني لدى الفرد واﻟﻤﺠتمع، إلا أن محكمة النقض والعادات والتقاليد الموروثة والبالية والقاصرة عن ركب العصر وتطوراته قد كرست هذا المفهوم، حين جاءت على أن غسل العار لا يكون ولا يزول إلا بقتل المرأة، حيث تنص القاعدة ( ٥٤١ ) على ما يلي:

(إن العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية في الريف تنبذ فعل الزنا ويعتبر كل فعل من هذا القبيل تقدم عليه المرأة تسبب فيه إلى عائلتها ذلا وانكسارًا وعارًا أمام الآخرين، وأن هذا العار لا يزول إلا بقتل المرأة التي سببته للعائلة حسب الاعتقاد السائد في اﻟﻤﺠتمع).

وتقول الناشطة عن حقوق المرأة هنادي زحلوط في تصريح خاص لإيلاف بأنه للقضاء على جرائم الشرف يجب أن يحاصر المشكلة، التي هي بدورها ذات بعدين: قانوني واجتماعي، حيث تؤكد " بالنسبة للقوانين فيجب إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات والتي تتيح منح العذر المخفف لمن يرتكب مثل هذه الجرائم تحت ذريعة الشرف، بل أيضا يجب تعديل القوانين السورية: قانون الأحوال الشخصية وقانون الجنسية وجميع القوانين التمييزية، على قاعدة المساواة بين المواطنين أمام القانون" .

وتتساءل " زحلوط " هل يكفي تعديل القانون؟ والجواب بحسب رأيها " التعديل هذا هو الخطوة الأولى، القانون العادل يدفع باتجاه تكوين ثقافة مختلفة ويقوّض العادات والتقاليد البالية، ولنا في التعاطي مع جرائم الثأر مثال جيد".

جرائم الشرف والدين

إن الأسباب الحقيقية لارتكاب جريمة الشرف هو التقاليد والجهل بالشريعة بحسب رأي الدكتور محمد حبش الذي يضيف " هذا الجهل بالشريعة ليس فقط شأن العوام والأميين بل هو للأسف شأن كثير من الخطباء الذين يقفون على المنابر ويعظون الناس ولكنهم محكومون للأسف بتقاليد بالية يحسبونها ديناً وفي الوقت نفسه فإن المتنورين من علماء الشريعة لا يقومون بدورهم الحقيقي ويفضلون مجاملة التخلف وراحة البال"

ويؤكد الدكتور " حبش " أيضا أن جريمة القتل بدافع الشرف "تخالف الشريعة في عدة أمور تعتبر من الكبائر، وهي أولاً إثبات للحد بغير بينة وهذا حرام وفيه عقوبة القذف على فاعله ومرتكبه إلا إن كان زوجًا أو زوجة ففيه اللعان، ويحرم بعد اللعان اتهامها بشيء، ولا شك أن أي اتهام بغير بينة هو في الواقع قذف بالباطل وهو من الكبائر. قال تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وألئك عند الله لهم الكاذبون"

ويضيف " بتأمل بسيط لهذه الآية ندرك أن الرمي هنا إنها هو بالكلام والاتهام ليس أكثر، وهذا الرمي بالكلام والاتهام يترتب عليه غضب الله ووجوب إقامة حد القذف على فاعله مهما كانت القرائن قوية على وقوع فاحشة الزنا، فكيف سيكون غضب الله سبحانه على من قذف المرأة بالساطور أو بالرصاص أو بالمدية القاتلة؟ "

ويتسائل الدكتور محمد حبش " من أين لمن ارتكب القتل بحجة التهمة بالزنا أن يتيسر له إقامة البينة بعد فعل القتل؟ وكيف يتاح للمغدورة أن تدافع عن نفسها وتثبت براءتها ؟ وقد تقرر في الشريعة أن لصاحب الحق مقالاً؟ ولكن هيهات أن تتمكن من تقديم مقالها وقد سبق إليها سيف القتل ولم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها بأي وجه من الوجوه؟ وبأي وجه حق يفوض الناس بتنفيذ القتل سواء أكان قصاصاً أو حداً أو عقوبة محضة بدون أن يمنح المتهم حق الدفاع عن نفسه أمام هيئة محايدة كما هو شأن القضاء في العالم كله، وكما هو شأن القضاء في الإسلام وفق منطق القرآن الكريم: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

بينما تؤكد الناشطة السورية هنادي زحلوط بأنني " أستطيع أن أتفهم الضغط الاجتماعي الذي تعانيه الأسر أمام مجتمعها من أجل الانتقام من الفتاة بذريعة الشرف، لكنها يجب أن تعي أنها جريمة كاملة، وأنها بالمقابل تستطيع حماية ابنتها بمواجهة المجتمع، وأن تكون داعمة للفتاة وتساعدها على تجاوز ما يعوق حياتها، فلماذا يكون البديل قتل البنت وتحويل الابن أو الأخ أو الزوج لمجرم؟ يجب على الدولة اليوم أن تتحرك لتعديل قوانينها بما يضمن ويحمي حياة مواطنيها.

وينهي العلامة الإسلامي محمد حبش حديثه الخاص لإيلاف بالقول " هي حكم بالقتل بغير حق، حتى مع افتراض الفاحشة فالعقوبة المقررة في الشرع هي الجلد، وهي خاضعة من وجهة نظرنا للتغيير بحسب واقع الأمة والبحث عما يردع الزناة ويكفهم عن غيهم وفجورهم. فكيف يمكن أن يأذن تشريع ما بالقتل في جناية غير محققة وعقوبتها بعد القضاء ليست القتل؟ أما القول برجم زاني المحصن فهو محل جدل كبير بين الفقهاء ، وعلى كل جال فلا يحل إثبات ذلك إلا بالبينات الصادقات، من الشهود العدول، وهو أمر لا يتحقق أبداً في ظروف القتل بدافع الشرف الذي نحن بصدده" .

محاولات خجولة

على الرغم من بعض المحاولات في الألفية الجديدة لإزالة العوائق من أجل إبعاد شبح القتل عن المرأة، وممارسة كامل حقوقها، وإعادة الطمأنينة إلى قلوب فتيات خرجن من منازلها بحثا عن الأمان كما هي حالة " عبير " من خلال فتح المنتديات النسائية والجمعيات والمواقع الالكترونية - والبعض منها وما زال مستمر إلى وقتنا الحالي- إلا أننا مازلنا نفتقر إلى جوانب عديدة من أجل ترسيخ مفهوم أن المرأة هي نصف المجتمع من دونها تكون حركة المجتمع مشلولة، لكن يبدو بحسب رأي " عبير " أن هذا الكم الهائل من المنظمات والجمعيات النسائية والمواقع الالكترونية عبارة عن ديكورات وشعارات لا ترتقي إلى مكانة المرأة وأهميتها في المجتمع عندما تقتل امرأة بعمر الورد لمجرد حكم ذكوري صدر من العائلة.

وتؤكد الناشطة في حقوق المرأة هنادي زحلوط " بالنسبة لي كفتاة ناشطة أشعر الخجل حين أعلم أن جرائم الشرف تحتل ربع الجرائم في سوريا، وأشعر بأن التعديل القانوني ضروري حين أعلم بمركز سوريا المتقدم على لائحة الدول الأكثر ارتكابًا لجريمة ما يسمى بالشرف".

والدور الأكبر للتخلص من هذه الآفة المجتمعية بحسب رأيها يقع على عاتق " الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في تكوين ثقافة قانونية لدى الموطنين، عن طريق سن تشريعات تقوم على المساواة بين المواطنين، وتستند إلى شرعة حقوق الإنسان، والإعلان العالمي واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعت عليها سوريا".

بينما يجد الناشط الحقوقي حسان أيو " إن العنف الممارس ضد المرأة أيا كان مصدره ومنفذه لا يمكن الحد من استشرائه بالصكوك الدولية و القوانين الوضعية فحسب، وإنما الجهد كله يجب أن يرتكز على الوقاية منه انطلاقا من الأسرة و المدرسة باعتماد أساليب تعامل حضارية ترقي بكرامة الإنسان و تصون حقوقه" ويضيف " إن عماد هذه الأساليب هو الحوار و حسن التنشئة والعمل على تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأفراد الأسرة، فالعنف في جميع الحالات هو الابن الشرعي للحرمان و الإقصاء والاضطهاد والفاعل والمفعول فيه أي المجني عليه والمعتدي ضحايا يجب التكفل بهما كي لا تظل الجهود في حلقة مفرغة".