آخر الأخبار :

فلسطين... سلطتان ولكن!!‏

فلسطين... سلطتان ولكن!!‏

بقلم : ماجد عزام

السلطة الفلسطينية من دون اى سلطة وانما تمارس خدمات شبيهة بخدمات البلديات لا توجد ‏لدينا اى سلطة على المنطقة ج التى تساوى ستين بالمائة من الضفة ولا على المستوطنات ولا ‏على المنطقة أ الخاضعة اداريا وامنيا للسلطة لذلك فالافضل لنا ان يتسلمها الاسرائيليون على ‏ان نظل ندير سلطة بلدية ‏‎.‎

اسرائيل تستفيد من احتلالها الاراضى الفلسطينية لذلك يجب ان توضع امام مسؤولياتها ‏اسرائيل تستولى على 600 مليون متر مكعب من المياه سنويا من اصل 800 مليون متر ‏مكعب تنتج فى الاراضى الفلسطينية وتصدر ما قيمته ثلاثة مليارات دولار للاراضى ‏الفلسطينية والمستوطنون ياتون ليسكنوا على رؤوس الجبال فى الضفة بعيدا عن ضجيج تل ‏ابيب وقادة الجيش ياخذون مواقع لهم فى مجالس ادارات الشركات الاسرائيلية العاملة فى ‏الاغوار لذلك فانهم لا يفكرون بالرحيل وانهاء احتلالهم المربح جدا. ‏

الكلام السابق ليس لاحد المعارضين لعملية التسوية بمنحاها الحالى او حتى الرافضين لاتفاق ‏اوسلو وكل ما تمخض عنه بما فى ذلك السلطة طبعا بل لمحمد اشتية عضو اللجنة المركزية ‏لحركة فتح والمستشار المقرب جدا من الرئيس ابو مازن فى الفترة الاخيرة ‏‎.‎

كلام اشتية يطرح علامات استفهام عديدة من قبيل هل و متى وكيف واين ولماذا عوضا عن ‏تناوله لامرين متداخلين دور السلطة ومبرر وجودها اضافة الى عملية التسوية والمفاوضات ‏بمسارها المعروف خلال العقدين الماضيين الذى حول الاحتلال الى عملية مربحة لاسرائيل ‏وضباطها ومستوطنيها ‏‎.‎

الحقيقة ان السلطة وجدت اصلا بلا سلطة ولم تكن فى الجوهر رغم فهلويات واكروبات ‏الشهيد ياسر عرفات سوى اطار تجميلى وكاذب خال من اى سيادة جدية وحقيقية على ‏الارض علما ان الامر اقتضى عملية خداع عميقة للراى العام الفلسطينى وايهامه انها ستؤدى ‏الى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة رغم انها فى الحقيقة ليست سوى مملكة من الوهم كما اقر ‏ابو مازن نفسه اثناء القمة العربية الاخيرة فى طرابلس ‏‎.‎

وحتى مع تصديق كذبة ان حكومة نتن ياهو -الذى مر على وجودها فى الحكم اكثر من سنة ‏ونصف -هى من قامت بسلب السلطة سيادتها وولايتها القانونية والسياسية والامنية على ‏الارض يصبح السؤال عن رد فعل القيادة الفلسطينية ولماذا سكتت عن هذا الامر ولمَ قبلت ان ‏تستمر فى لعب دورها فى مسرحية الخداع والوهم وتنفيذ التزامات مشتركة نقضها الجانب ‏الاسرائيلى بشكل منهجى ومتعمد طوال سنة ونصف على الاقل ‏‎.‎

البعد الاخر فى كلام او اعتراف اشتية يتعلق بالاحتلال الاسرائيلي المربح للاراضى ‏الفلسطينية وهنا ايضا تطرح الاسئلة عن متى حدث ذلك هل فقط فى العامين الاخيرين ام ‏طوال عقدى التسوية والى اى حد ساهمت السلطة الفلسطينية نفسها فى خفض تكلفة الاحتلال ‏بل حتى فى تحويله الى عملية مربحة للاسرائيليين وما هى مسؤولية القيادة الفلسطينية فى ‏الصمت او حتى عدم المبادرة والمضى قدما فى خيار ومسار كان اساسيا ومفصليا فى مسيرة ‏تحول الاحتلال الى عملية مربحة جدا للاسرائيليين افرادا وجماعات ‏‎.‎‏ ‏

السلطة بلا سلطة فى الحقيقة وهى ليست اكثر من ادارة ذاتية او بلدية للاشراف على حاجات ‏السكان والمواطنين الخاضعين للاحتلال وسيطرته ان فى الضفة الغربية او فى قطاع غزة ‏غير ان ما يثير الاسى هو حالة الانكار التى تتعاطى بها الحكومة فى غزة مع هذه الحقيقة ‏فالسيد اسماعيل هنية كما وزير داخليته فتحى حماد يتحدثان عن انجازات وابداعات ونموذج ‏فريد للحكم مع ان من المعيب الحديث عن ذلك فى ظل تزايد معدلات البطالة والفقر والفلتان ‏الامنى والانهيار شبه التام للقطاعات الاقتصادية والحياتية المختلفة من زراعة وصناعة ‏وتعليم وصحة ومع كامل الانتباه الى المسؤولية الاسرائيلية والحصار غير الاخلاقى وغير ‏القانونى إلا ان هذا لا يلغى واقع الانفصام والهرب المنهجى الى الامام وتحاشى تشخيص ‏الحالة فى غزة -كما فى الضفة- كونها سلطة ذاتية بلدية خالية من اى سيادة بينما اشكال ‏السيادة الوهمية والمصطنعة والمختلقة تتنافى مع حقيقة الاحتلال الاسرائيلى غير المباشر ‏ولكن الجوهرى للقطاع عبر التحكم فى حدوده البرية والبحرية والسيطرة على سمائه والتحكم ‏بحركة المواطنين والبضائع منه واليه علما ان هذا المعطى يطرح بدوره السؤال المحزن عن ‏اسباب وحيثيات الاقتتال على سلطة او بالاحرى على سلطتين وهميتين خاضعتين للاحتلال ‏وان بدرجات متفاوتة ‏‎.‎

مهم جدا ما ذهب اليه السيد اشتية غير انه على اهميته لا يمثل اكثر من نصف الطريق نحو ‏الخلاص من المازق الحالى للمشروع الوطنى الذى لا يمكن ان يتحقق دون استخلاص ‏الاستنتاجات السياسية المناسبة من المعطيات والاحصائيات التى طرحها‎ ,‎والتى يفترض ان ‏تثير نقاشات وحوارات معمقة وجدية على الساحة الفلسطينية عن كيفية رفع تكلفة الاحتلال ‏الاسرائيلي وهل تقف السلطة عائقا وحائلا امام هذا الامر وهل ما زالت ضرورة وطنية -‏على افتراض انها كانت كذلك يوما ما- ام انها باتت بمثابة العبء على الشعب الفلسطينى ‏وحقوقه واماله الوطنية؟! مع الانتباه الى حتمية انهاء الانقسام الكارثى وتحقيق المصالحة ‏كشرط لازم وضرورى للاجابة على هذه الاسئلة الصعبة والملحة ‏‎.‎

‎*‎‏ ماجد عزام : مدير مركز شرق المتوسط للدراسات والاعلام.‏