آخر الأخبار :

مرض نادر فتك بجسده.. فبات بلا قدمين ويدين خلال عام

مرض نادر فتك بجسده.. فبات بلا قدمين ويدين خلال عام


 

يرقد
الفلسطيني محمد موسى اسماعيل على سريره الخشبي داخل منزله المتواضع في عين الحلوة
جسدا هزيلا بلا حراك، بعدما عاش الموت بتفاصيله مرضا نادرا، أكل جسده جزءا بعد آخر،
الى ان بات اليوم بلا اطراف، إذ بترت يداه وقدماه بسبب انسداد شرايينه والفاقة التي
منعته من تلقي العلاج الضروري.

حكاية
اسماعيل لا تختصر معاناة الشعب الفلسطيني مع المرض فقط، انما تمثل شاهدا صارخا على
مصير المريض الذي يكون امام خيارين لا ثالث لهما وأحلاهما مر، ام الموت في زوايا
المنزل بصمت او التسول على ابواب المسؤولين والجمعيات وحتى دور العبادة لتأمين
نفقات العلاج اذ ما تقدمه وكالة "الاونروا" و"منظمة التحرير الفلسطينية" للحالات
المستعصية النذر اليسير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

واسماعيل البالغ من العمر (57 عاما)، رب أسرة مؤلفة من الزوجة ساجدة عباس ولهما
خمسة اولاد البكر فاتن (31 عاما)، نسرين (29 عاما)، ياسمين (26 عاما)، شادي (23
عاما) واحمد (17 عاما)، ما زال ثلاث منهم تحت رعايته، ففي منزله الكائن في حي
"السميرية" في سوق الخضار وسط المخيم يشرع "ابو شادي" الابواب والنوافذ لتدخل اليه
اشعة الشمس، فالازقة ضيقة والمنازل متلاصقة، يحاول ان يتنشق بعضا من الهواء العليل،
ليستعيد بعضا من قوته، وإصراره على الصمود امام المرض او ما يسميه "الموت البطيء".

رحلة
العمل

بين
رحلتي العمل والمرض، لا يحمل "أبو شادي" من الشهادات العلمية شيئا، سوى شهادة
الميلاد، ولا يحتفظ بكثير من الذكريات الجميلة بعدما اقتلعه العدو الصهيوني من وطنه
وحوله عنوة الى لاجىء، يعيش عذاب الترحال من مكان الى آخر، يطارد لقمة العيش بدلا
من ذل السؤال، بعدما أدى قسطه من النضال على طريق الثورة الفلسطينية.

يقول
"سافرت الى ابو ظبي عام 1980 وعملت في احد الافران 19 عاما، وبين ناري الطقس
والخبز، كنت اتقاضي ما يقارب 600 الف ليرة لبنانية فقط، تحملت الغربة من اجل
العائلة، ولكن لم استطع الاستمرار بعد الغلاء وارتفاع الاسعار، فعدت الى لبنان عام
1999 وبقيت عاطلا اكثر من عام قبل ان أعمل مجددا في موقف للسيارات في بيروت بقوت
اليوم"، قبل ان يرف تلقائيا "لكن أفضل من سؤال الناس وبقيت على هذا الحال 7 سنوات
الى ان اصبت بالمرض".

وعذاب
المرض

وبصوت
متقطع يتابع اسماعيل حديثه عن المرض الذي فتك به على حين غرة، ليروي البداية الى
النهاية، فعام 2000 ادخل الى المستشفى مصابا بعارض صحي طارىء، تبين انه يعاني من
"نشفان" في شرايين القلب، فأجريت له عملية تبديل "صمامين"، تماثل للشفاء وواصل
مسيرة عمله، قبل ان تنقلب حياته رأسا على عقب في العام 2006.

يقول
"انني شعرت بوجع في اصابع يدي وكنت ما زلت اعمل في بيروت، راجعت الاطباء مرارا
وتكرارا، فأبلغوني انني اعاني من مرض انسداد الشرايين، فهي ضعفية ولا يصل الدم الى
الاطراف، بداية اصيب ثلاث اصابع بالورم ثم بدأوا ينزفوا قيحا، فبقيت اتلقى العلاج
لمدة ثلاث سنوات هربا من القرار الصعب: البتر لكن لا مفر، الى ان قرره الاطباء في
تشرين الاول عام 2009 فبترت اليد من فوق الكوع، وسرعان ما انتقل الوجع الى القدم
اليسرى بعدما "ضربت" الاصابع مع وجع في "الزر"، والتهابات حادة ـ "غرغرينا"، فبترت
القدم اليسرى، ثم انتقل الوجع الى اليد اليمنى فبترت وصولا الى القدم اليمنى حيث
اصيب اصبع بالتهابات حادة فتم بتره على امل انقاذ القدم ولكن دون جدوى اذ بترت قبل
شهر ايضا وما زلت اتلقى العلاج حتى اليوم عبر ممرض يحضر كل يوم الى المنزل لتنظيف
الجرح والتغيير عليه".

اصبحت
النصف

واضاف
اسماعيل وفي عينيه دمعة وفي كلامه غصة "خلال عام واحد فقط فقدت كل اطرافي، اليدين
والقدمين تدريجيا، لقد خسرت نصف وزني كنت 72 كليو غرام واصبحت 50 كليو غرام وارقد
على السرير كجثة هامدة بلا حراك ولا اغادر المنزل ابدا، واليوم اعاني من الوجع
والالتهابات وما زلت اتلقى العلاج واخشى على حياتي مجددا قد يفتك بي المرض في مكان
آخر فماذا افعل "العين بصيرة واليد قصيرة".

وناشد
"ابو شادي" اصحاب القلوب الرحيمة والايادي البيضاء وفاعلي الخير ان يبلسموا جراحه،
قائلا "لقد بات حلمي اليوم تركيب اطراف اصطناعية كي أمشي من جديد واواصل مسيرة
الحياة لا ان ابقى حائرا ومنتظرا الموت في كل حين".

جيوب
فارغة

وتقول
"ام زياد" وهي تتلوى حسرة على مصير شقيقها، ان "الفقر والبطالة يعني المرض والموت،
لقد تغيرت معادلة الحياة والموت عندنا، بات همنا ان يبقى المريض حيا بدلا من التمتع
بالحياة، وكثيرا ما فكر البعض ببيع ابنائهم كتعبير مجازي من اجل تأمين تكاليف
العلاج وثمن الدواء، فأي حياة هذه في ظل الفاقة والجوع والبطون الخاوية والجيوب
الفارغة والافواه الجائعة.