آخر الأخبار :

ماذا نفهم من ترحيل اللاجئين الفلسطينيين إلى البرازيل؟

ماذا نفهم من ترحيل اللاجئين الفلسطينيين إلى البرازيل؟

أ.عماد صلاح الدين

باحث في مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان

تساءل كثير من المتابعين والمراقبين لأوضاع المنطقة،عن الأسباب التي حدت بجماعات معينة في العراق ،إلى القيام بعملية تقتيل وملاحقة وترهيب للاجئين الفلسطينيين المتواجدين هناك. وذلك عقب غزو العراق في مارس آذار 2003 ، وقد رد المتابعون للحالة السياسية والأمنية في العراق منذ سنوات طويلة ، بان ما يجري للاجئين الفلسطينيين هناك يأتي في سياق الانتقام والرد الشيعي الطائفي منهم؛ نظرا لتواطئهم وعملهم كمخبرين لدى النظام السابق الذي كان يتزعمه الراحل صدام حسين .

وهذا ما أدى في نهاية المطاف إلى خروج هؤلاء اللاجئين المقيمين في العراق،منذ نكبة عام ثمانية وأربعين، إلى المناطق الحدودية والصحراوية مع كل من سوريا والأردن ،في ظل ظروف معيشية وإنسانية قاسية للغاية في مقدمتها أنهم يعيشون في صحراء لا تتوافر فيها إلا الوحوش والحشرات والزواحف الضارة والسامة، عدا لهيب شمس حارقة في نهار، وزوابع وعواصف رملية مقضة لمضجع للهدوء واسترخاء النوم في ليل.

لكن،بعد أن علق هؤلاء اللاجئون على المناطق الحدودية ،وخاصة في منطقة رويشد الأردنية ،لمدة تزيد على ثلاثة سنوات دون أن تسمح السلطات الأردنية بدخولهم إلى أراضيها ،رغم أنهم لا يتجاوزون بضع مئات معدودة ، اخذ الشك والخوف على مصير هؤلاء اللاجئين،بل قضية اللاجئين بعمومها ينتاب كثير من الحريصين على حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني،وفي المقدمة منها حق العودة ؛ ذلك لأنه لم يكن هناك عذر حقيقي ومعقول لدى السلطات الأردنية في رفض استقبال هؤلاء اللاجئين ،في الوقت الذي تسمح فيه الحكومة الأردنية باستضافة ما يزيد عن نصف مليون عراقي .في المقابل فان سوريا سمحت لأعداد من هؤلاء العالقين على حدودها بالدخول إلى أراضيها ،وبنت لهم مخيمات لهذا الخصوص. ومنها مخيم أبو الهول والوليد .

ازدادت حدة المخاوف والشكوك ،حول امتناع السلطات الأردنية خاصة والدول العربية عموما عن استقبال بضع مئات من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من العراق ،بعد أن بدأ الحديث عن عقد صفقات واتفاقات بين الحكومة الأردنية وكندا ودول أخرى ،عبر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين من اجل ترحليهم من مخيم الرويشد إلى حيث تلك الدول الخارجة جغرافيا عن النطاق العربي وحتى الإسلامي.

في حينها كتبت أكثر من مرة محذراً من خطورة تلك الصفقات والاتفاقات على مصير هؤلاء اللاجئين ،بل وأثرها على حق العودة للاجئين الفلسطينيين عموما ؛ من باب أن يكون ترحيل هؤلاء إلى دول اسكندنافية أو لاتينية وغيرها ،ومن ثم العمل على توطينهم هناك سيكون ظاهرة وسابقة خطيرة على القضية الفلسطينية ،وبالقلب منها لاجئوها ومهجروها ؛ ذلك لان معيار التشبث بالحقوق والثوابت الفلسطينية هو معنوي ونفسي في المقام الأول ، ولعل فشل كل محاولات التوطين من أواسط القرن الماضي كانت تعود إلى حالة الوعي والتصدي المعنوي والنفسي أولا وقبل كل شيء لتك المشاريع الأمريكية والغربية والإسرائيلية، وربما أيضا تلك التي كان لأطراف رسمية عربية يد فيها .

ومن أسف ، ورغم تحذيراتنا المتكررة على هذا الصعيد ، إلا انه لا يوجد قدر من التجاوب الحقيقي ، سوى في بعض كتابات لصحفيين ومفكرين قلائل . والأمر كما يبدو جلل ، وان تعلق ببضع مئات تم ويتم ترحليها إلى البرازيل؛ كما حدث قبل ثلاثة أسابيع مع 35 لاجئا ثم 36 آخرين في يوم الجمعة من الأسبوع الماضي ،أو إلى تشيلي أو الهند أو السودان في تعهد لها بقبول استضافة هؤلاء العالقين على الحدود مؤخرا ؛ لان ذلك سيعد سابقة أمريكية وإسرائيلية ناجحة في سياق العمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين ومحاربة حق عودتهم إلى ديارهم وأراضيهم التي اخرجوا منها .

يجب أن نفهم جليا، وبشكل لا لبس فيه: أن هناك أحداث رئيسية حدثت وتحدث في المنطقة الغرض والهدف منها هو إسرائيلي في المقام الأول ؛ فعملية السلام في مدريد 1991، وعاصفة الصحراء قبل عام منها، ومن ثم الغزو الأمريكي للعراق 2003، وما تمخض عنها من تبعات وأحداث متعلقة بمحاولة الوصول إلى "شرق أوسط جديد" يعاد فيها رسم خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا،في إطار من "الفسيفسائية" المذهبية والعرقية والاثنية ، إنما هو يأتي في سياق جعل إسرائيل الكيان الأقوى والأكثر وحدة جغرافية وديمغرافية في المنطقة العربية الإسلامية لتكون إسرائيل أداة استعمارية طبيعية في المنطقة ،من حيث طبيعة الكيان جغرافيا وديمغرافيا وما عداه استثناء ،في عملية استعمارية إجرامية تجعل الأشياء تخرج من طبيعتها إلى طبيعة أخرى جبرا عنها وقسرا ،مهما كلف ذلك من دماء وأشلاء وفوضى وخراب واضطراب . وهذا كله يتطلب من وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية القضاء على حق العودة وفكرته ، ولعل ما جرى مع فلسطينيي العراق وما زال يجري هو الأنموذج التجريبي لتنفيذ مخطط التخلص من اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة من خلال توطينهم في أماكن نائية وبعيدة من أصقاع المعمورة.

وإذا كان الأمر هو كما سبق ، فانه مطلوب اليوم من كافة القوى الوطنية والإسلامية، ومن كافة تجمعات ومؤسسات ومنابر اللاجئين التحرك الفوري وفي أكثر من اتجاه إعلاميا وسياسيا وقانونيا ؛من اجل إحباط الاستمرار في مشاريع توطين هؤلاء اللاجئين،وقطع الطريق على المتآمرين على حق العودة ؛بتحقيق غرضهم بتسجيل سوابق توطين بحق اللاجئين الفلسطينيين .

التعويل الآن في مواجهة هذه المخططات: متوقف أولا وقبل كل شيء على الفلسطينيين، وعلى اللاجئين بالأخص منهم ؛ لأنه كما يبدو أن أطرافا رسمية عربية وحتى فلسطينية هي في الأساس متواطئة ضد اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة ؛ فعلى الأقل ما هو تفسير نقل وترحيل اللاجئين الفلسطينيين العالقين على الحدود في الصحراء إلى دول أوروبا وكندا والبرازيل وتشيلي والهند وغيرها، في حين أن أكثر من14 مليون كم2 هي مساحة الوطن العربي نجدها عاجزة عن استيعابهم ،وعدد هؤلاء اللاجئين على أي حال لا يتجاوز الآلاف المعدودة حتى مع أولئك الذين لا يزالون في العراق ؟؟.